أبي منصور الماتريدي

139

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وأما الاعتزال عن الإماء وملك اليمين فإنه لا بأس ؛ لأنه لا يطلب النسل من الإماء في المتعارف ؛ لذلك لم يكره ، ولأن في إحبالهن إتلافا ، وللرجل ألا يتلف ملكه ؛ لذلك افترقا . واللّه أعلم . والأصل : أن الشهوات مجعولة لما بها إمكان قضاء الحاجات التي يقضى بها جرى تدبير العالم ، وبه يكون دوام النسل ، وبقاء الأبدان ، والحاجة لا تحتمل الوقوع في الأدبار ؛ لذلك لم يجعل فيها . وقوله : وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ . قيل فيه بوجهين : قيل « 1 » : وَقَدِّمُوا العمل الصالح . وقيل « 2 » : وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ من الولد تحفظونه عند الزيغ عما لا يجب . وقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ . يحتمل قوله : أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ أي : ما قدمتم من العمل الصالح فتجزون على ذلك ؛ كقوله : وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ [ البقرة : 110 ] . ويحتمل : أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ أي : ملاقو ربكم بوعده ووعيده . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 224 إلى 227 ] وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 224 ) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 225 ) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 226 ) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 227 ) وقوله : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ . قيل « 3 » : كان الرجل يحلف ألا يصنع المعروف ، ولا يبر ، ولا يصلح بين الناس ، فإذا أمر بذلك ، قال : إني حلفت على ذلك ، فنهوا عن ذلك ، يقول : لا تحلفوا على أمر هو لي معصية ألا تصلوا القرابة ، وألا تبروا ، وألا تصلحوا بين الناس ، وصلة القرابة خير لكم من الوفاء باليمين في معصية اللّه تعالى . و « العرضة » العلة ، يقول : لا تعللوا ، أي : لا يمنعكم أن تبروا أو ما ذكر .

--> ( 1 ) قاله السدى كما في تفسير ابن جرير ( 2 / 411 ) . ( 2 ) قاله عكرمة ، أخرجه ابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 1 / 478 ) . ( 3 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه ( 4364 ) ، وعن إبراهيم ( 4365 ، 4366 ، 4367 ) ، ومجاهد ( 4368 ) ، وغيرهم ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 479 ) .